ابن عربي

391

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

وذلك لغلبة الغيرة على نوح عليه السلام ، واستعجاله ، لكون الإنسان خلق عجولا . [ سورة نوح ( 71 ) : الآيات 27 إلى 28 ] إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فاجِراً كَفَّاراً ( 27 ) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَباراً ( 28 ) [ لِمَ يقدم العبد نفسه في الدعاء على والديه ؟ ] لا أحد أعظم من الوالدين وأكبر بعد الرسل حقا منهما على المؤمن ، ومع هذا أمر الداعي أن يقدم في الدعاء نفسه على والديه ، وذلك أولا مراعاة لحقها ، فهي أقرب جار إليه ، والسر الآخر أنّ الداعي لغيره يحصل في نفسه افتقار غيره إليه ، ويذهل عن افتقاره ، فربما يدخله زهو وعجب بنفسه لذاك ، وهو داء عظيم ، فأمره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يبدأ لنفسه بالدعاء ، فتحصل له صفة الافتقار في حق نفسه ، فتزيل عنه صفة الافتقار صفة العجب والمنة على الغير ، وفي إثر ذلك يدعو للغير على افتقار وطهارة ، فلهذا ينبغي للعبد أن يبدأ بنفسه في الدعاء ، ثم يدعو لغيره ، فإنه أقرب إلى الإجابة ، لأنه أخلص في الاضطرار والعبودية ، قال الخليل عليه السلام في دعائه ( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ ) فقدم نفسه ( رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ) وقال نوح عليه السلام « رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ » فبدأ بنفسه « وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ » وهو عليه السلام من الكمل ، ولم يقل كما قالت الملائكة « وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ » فكأنه أبقى شيئا ، فإنه ما طلب المغفرة إلا للمؤمن ، ولم يذكر اتباع سبيل اللّه ، لأن المؤمن قد يكون مخالفا أمر اللّه ونهيه ، واللّه يقول للمسرفين على أنفسهم ( إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ) « وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً » : دعا قومه نوح ليغفر ربهم * لهم فأجابوه لما كان قد دعا أجابوا بأحوال فغطوا ثيابهم * لسر بستر والسميع الذي وعى ولو أنهم نادوا ليكشف عنهمو * غطاء العمى ما ارتد شخص ولا سعى